أكتوبر 13, 2026

تحتَ ظلالِ قماشٍ مُهترئٍ.. يَغدو البقاءُ معركةَ صمودٍ

تحتَ ظلالِ قماشٍ مُهترئٍ.

تخيل أنك تقف الآن عند المدخل الضيق لهذه الخيمة تمامًا، لا تظنوها قصرًا، أنها خيمة متعددة الاستخدامات فهي خيمة المعيشة، وخيمة المنام، وخيمة قضاء الحاجة، حيث تضرب شمس الظهيرة الحارقة قماشها الشاحب المهترئ، وتختلط رائحة الغبار العالق بالهواء برائحةِ الماء والصابون، تلك الأم السودانية تجلس على الأرض العارية، تجتهد بصمتٍ في تحريكِ أناملها المُجهدة فوق جدار إناء معدني صغير، وضع سائل الجلي واحتكاك الليفة بتلك القطعة المعدنية ليس مجرد عمل روتيني عابر، بل هو بندول زمن يحاول أن يفرض إيقاع الحياة الطبيعية وسط ركام النزوح والتشريد والحرب التي أينما حلت لا ترحم بشرًا ولا حجرًا.

“مُجبر أخاكَ لا بطل”؛ ففي بعض الأحيان يتعايش الإنسان ويفعل ما لا يقبله ولا يرتضيه، وهذا هو حال هذه الأم بلا تجميل تجلس داخل خيمةٍ متواضعة تنبت في أرضٍ غريبة لا تشبه دِفء بيتها القديم، لا تتجاوز مساحتها 3م²، هذه الأم التي أثقلت النزاعات كاهلها، لكنها لم تكسر روحها، مُحاطة بأوانٍ بسيطة وأغراضٌ قليلة وبقايا أثاث منزلها، وتُحاول جاهدةً البقاء ومواصلة العيش وكأن الحياة لم تنتزع منها كل أسباب الاستقرار والسكينة.

تمسك بإناءٍ معدني بين يديها الصابرتين، وتغسله بصمتٍ أبلغ من آلاف الكلمات، بالنسبةِ لنا قد يبدو المشهد تفصيلًا عاديًا من تفاصيل الحياة اليومية التي لا تستدعي التوقف، لكن خلف هذا المشهد البسيط تقبع مأساة أمٍّ اضطرتها قسوة الحرب ونيرانها إلى مغادرة بيتها ومأمنها، لتبدأ رحلة البحث عن الأمل من الصفر، وفي مكانٍ يفتقر لأبسط مقومات الحياة الأساسية الكريمة.

خاطبها فريقنا، حاورها، خاضَ معها غِمار حياتها الشاقة، فكانت هذه كلماتها المؤلمة بلهجتها السودانية الجميلة:” يا يُمّة.. كان عندي بيت، كان عندي حوش واسع وضليلة لمّة.. فجأة كده.. وفي لحظة، الصوت اتغير والنار طالت كل شيء.. طار البيت، وطارت معاه أيامنا الحنينة.. طردتنا الحرب وما خلت لينا غير هدومنا اللي علينا، وجينا هني تحت شقة القماش دي، نسكن العراء والتراب”

في دفاترِ التاريخ الحديث للقرن الحادي والعشرين، لن تجدوا أوجع ولا أصدق من هذه الكلمات الخارجة من عُمقِ الوجع السوداني، بصوتٍ يمتزجُ بالدموع تُكمل الأم كلماتها:” شايف الإناء الصغير ده في إيدي؟ كل ما أغسلو بالصابون، بحس إني بغسل معاه دموعي وألمي.. بحاول أعيش أولادي وبحاول أقول لروحي إنه بكرة أحسن، بس القلب موجوع يا ولدي، والبيت العزاني زمان ما بيتعوّض بسهولة”.

في واقعِ السودان اليوم الكثير من التفاصيل التي تُبكي القلوب قبلَ العيون، لم يعد إعداد وجبة طعام أو غسل إناء مجرد مهام روتينية عابرة؛ بل تحول كل تفصيل صغير إلى معركة يومية للتشبث بالحياة ورفض الانكسار، كل غرضٍ أساسي يصل إلى عتبة هذه الخيمة وخيام السودان عامةً يمنح سكانها مساحةً صغيرة من الطمأنينة، وكل يدٍ تمتد بالخير تُشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم في هذه العراء.

صحيحٌ أن المساعدات الإغاثية قد لا تمتلك القدرة على إعادة أو ترميم ذكريات الأمس، لكنها تستطيع بلا شك أن تُخفف قسوة النزوح، وأن تمنح هذه الأم وأسرتها ما يحتاجونه لمواجهة الغد بكرامة وأمل، ففي أرض السودان، تقف خلف كل خيمة حكاية وجع، وخلف كل احتياج إنسانٌ صابر ينتظر من يمد له يد العون والإنسانية.

ومن قلب هذه المعاناة، تواصل جمعية الحياة لأفريقيا رسالتها النبيلة برفقةِ شركائها، متخطيةً الصعاب لتصل إلى أصحاب الحاجة والمكلومين، وتكون إلى جانبهم عندما تضيق بهم سبل الحياة؛ إيمانًا بأن العطاء الحقيقي ليس مجرد مساعدة عابرة تنتهي بلحظتها، بل هو أثرٌ إنساني خالد يُزرع في قلب إنسان ليمنحه القدرة على الاستمرار.

Your Title Goes Here